اليقين بالله و التفاؤل
أسباب للوقاية والعلاج
فلنتأمل الآن الحديث القدسي
المشهور الذي رواه البخاري ومسلم:
" أنا عند ظن عبدي بي."
و كما يقال أيضا... تفاءلوا
خيرا تجدوه.
أليس هذا مبعث للأمل
والتفاؤل في النفوس؟
فالتأثيرات الإيجابية
للتفاؤل على الإنسان، من أهم عوامل الصحة الجيدة التي لا تكون فقط بغياب الأمراض، بل تشمل منظورنا للحياة وتقلباتها. فالتفاؤل وراحة
النفس يمكن أن يصونا القلب والشرايين من الأمراض،
وأن يقللا من احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية والجلطات الدماغية، وهذا
ما يوكده العلم الحديث أيضا.
فهناك دراسات وأبحاث علمية
توصلت إلى نتائج هامة في هذا السياق.
ولقد استطاعت تالي شاروت من
كلية جامعة لندن لعلوم الأعصاب وزملاؤها من جامعة نيويورك تحديد الدائرة العصبية
والمنطقة في الدماغ المسؤولة عن التفاؤل وهما في (القشرة الأمامية) و(أميجدلا)،
وذلك بأخذ صور بواسطة جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي لـ15 شخصاً تحت الدراسة،
وهم يفكرون باحتمالات المستقبل.
لأن هذه المنطقة من الدماغ
هي مركز التوحيد وتجميع وظائف الأجزاء الأخرى من الدماغ، وهو الجزء الوحيد من
الدماغ الذي يستطيع أن يتحكم في العواطف وكذلك التصرفات والسلوك، ويساعد على
التركيز على الهدف والغاية التي يريدها الشخص. والأفكار الإيجابية التفاؤلية تعزز
وتقوي التوصيلات العصبية في هذه المنطقة فيزيد من فعالية الدماغ وقدرته على
التفكير والتحليل والتركيز، مما يؤدي إلى إنتاج أفكار مبهجة وتعزيز النظرة
التفاؤلية الإيجابية في الإنسان، والعكس كذلك صحيح، فالأفكار التشاؤمية تبطئ من
عمل الدماغ وقدرته على التفكير وإيجاد الحلول المبتكرة والإبداعية.
وفي كتابه المعروف “الدماغ
الذي يغير نفسه” يؤكد المؤلف وعالم النفس المشهور نورمان دويج، أن الدماغ لديه
القدرة لإعادة طريقة تنظيمه، بل وحتى تكوينه وإنتاج اتصالات عصبية جديدة، على قدر
تدريبه بالتكرار وبالأنشطة المعززة لتعليم شيء جديد، وأن التفكير الإيجابي
والتفاؤل، يغيران الدماغ بطريقة فعلية فيزيائية مادية لا مجازية، ويسمى هذا العلم
المعترف به “ليونة الدماغ”.
وبمعنى آخر،
فإن أفكارنا تستطيع بالفعل تغيير بنية وتركيب وتشكيل طريقة عمل الدماغ ومهامه
ووظائفه، كما تقوي مناطق المشاعر والأحاسيس في الدماغ.
فهل يمكن إذن تعليم وتدريب
الناس على التفاؤل؟
هذا ما يجيب عنه مارتن سليجمن ، مؤسس علم النفس
الإيجابي ورئيس جمعية علماء النفس الأميركية،الذي يؤكد أن التفاؤل وكذلك التشاؤم،
يمكن تعلمهما و التدرب عليهما، فقد طور
سليجمن وكل من “بيترسن” و”ستين” من بعده، نظرية التفاؤل والتشاؤم وأنهما أسلوبان
في التفكير وتفسير الوقائع والأحداث.
فالدراسات الحديثة تؤكد أن
التكرار والتركيز والأنشطة التي نختارها في حياتنا، سواء كانت ذهنية أو عملية،
كلها تؤثر في الدماغ تأثيراً عجيباً و أنها تعيد تركيبه وتكوينه وطريقة عمله، فعلى
قدر ما تحدث عقلك حديثاً إيجابياً على قدر ما ينشط ويعاد تشكيله ليعطيك أفكاراً
إيجابية ونشاطاً وطاقة، والعكس صحيح. وبذلك فإنك تستطيع أن تعيد تدريب عقلك ليكون
أكثر تفاؤلاً وإيجابية.
والتفاؤل الحقيقي الإيجابي هو الذي يقترن بالعمل
والمثابرة والصبر، والفشل الحقيقي والتشاؤم هو أن تكف عن المحاولة.
وديننا الحنيف وسنة رسولنا
الكريم كنز من الحكمة لتعليمنا وحثنا على التفاؤل وإبعاد اليأس عن النفوس.
نعم إنه تفاؤل رسول الله صلى
الله عليه وسلم وثقته بحماية الله له وقد اقترنت بالأخذ بالأسباب على أتم وجهها
وصورها كما علمناها عن يوم هجرته من مكة إلى المدينة في خطة محكمة دقيقة التفاصيل،
ومع ذلك وصلت إليهم قريش فقال له أبو بكر: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ
أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: “يَا
أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا”؟ فيقول تعالى “إِذْ
يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا.
إن التفاؤل حقاً أساسه
الإيمان فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن رجلاً قال يا رسول الله ما الكبائر؟
قال: الشرك بالله والإياس من روح الله والقنوط
من رحمة الله.
وكيف لا يتفاءل من يقرأ قوله
تعالى "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا
تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ".
هنا معنى الحديث: "أنا عند ظن عبدي بي، فإن
ظن خيرا فله، وإن ظن شراً فله"،
و تفاءلوا بالخير تجدوه.
ومن هذا المنظور، يؤكد علماء البرمجة اللغوية العصبية أيضا على
أهمية أن ننظر لجميع المشاكل على أنها قابلة للحل، وأن نستثمر في أي مشكلة سلبية
في الحياة ونجعل منها أمرا إيجابياً فنتخطاها.
و أهم عمل يمكنك أن تحول به الشرّ إلى خير هو أن
تنظر إلى الأشياء السلبية بمنظار إيجابي، وهذا ما فعله القرآن عندما أكد لنا أن
الأشياء التي نظنها شراً قد يكون من ورائها الخير الكثير، وهذه قمة الإيجابية في
التعامل مع الأحداث، حيث يقول تعالى: "وَعَسَى
أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا
وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" البقرة:
216
فهذه الآية بالذات،
تعتبر سبقاً علمياً في علم البرمجة اللغوية العصبية، لأنها بمجرد تطبيقها سوف تحدث
تأثيراً عجيباً و إيجابياً ينعكس على حياتنا النفسية بشكل كامل، وتصبح هذه الآية بمثابة
عقيدة راسخة تمارس في الحياة اليومية.
وفي علاج الإكتئاب يقول علماء النفس إن أفضل
طريقة لعلاج الكثير من الأمراض النفسية وبخاصة الاكتئاب أن تكون ثقتك بالشفاء
عالية جداً، حتى تصبح على يقين تام بأنك ستتحسن، وسوف تتحسن بالفعل.
وقد حاول العلماء إيجاد طرق لزرع الثقة في نفوس
مرضاهم، و لم يجدوا إلا طريقة واحدة فعالة وهي أن يزرعوا الثقة بالطبيب المعالج.
فالمريض الذي يثق بطبيبه ثقة تامة، سوف يحصل على
نتائج أفضل بكثير من ذلك المريض الذي لا يثق بطبيبه.
وهذا ما يصير مع القرآن،
مع فارق واحد وهو أن الطبيب هو الله سبحانه وتعالى والثقة به سبحانه وتعالى أولى
وأجدر وأحق.
فالله سبحانه وتعالى يرى إصابتك بهذا الخلل النفسي
وهو القادر على أن يصرف عنك الضرّ، بل هو قادر على أن يبدله بالخير الكثير، فهو
تعالى يقول: "وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا
هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ
مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" يونس: .107
فمن منا لا يرضى أن يكون الله طبيبه وهو سبحانه
مصدر الخير و المتصرّف في حياتنا كلها؟
وإذا أيقنت أن الله طبيبك و حافظك، فهل من شيء أو من أحد يستطيع أن يضرك والله حاميك؟
فنسأل الله منزل القرآن أن يجعله شفاء لنا ونورا ومؤنسا دنيا وآخرة، و أن يجعل كلامه عز وجل ذخرا لنا وملاذا وحصنا من كل شيطان وهامة وكل عين لامة والحمد لله رب العالمين.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق